خطيب جامع الفاتح في البحرين : الإسلام ساوى بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبين سائر شرائح المجتمع


خطيب جامع الفاتح في البحرين : الإسلام ساوى بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبين سائر شرائح المجتمع



عدنان القطان

 

تحدث فضيلة الشيخ عدنان بن عبدالله القطان في خطبة الجمعة في جامع الفاتح يوم 5 رجب 1436 هـ، عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكدا أن الشريعة الإسلامية اهتمت بأفرادها، ووضعت لهم حقوقًاً، ولم تميز بينهم، بل أمرت بالعدل، ووجهت إلى إعطاء كل ذي حق حقه، فالمجتمع المسلم كل فرد فيه جزء لا يتجزأ منه، يتمتع بكامل حقوقه التي وضعها له الإسلام.
وذوو الاحتياجات الخاصة (المعاقون) هم شريحة من شرائح المجتمع، وفئة عزيزة من فئاته على قلوبنا، لهم سائر الحقوق التي للفرد الصحيح، ولهم حقوق أخرى انفردوا بها مراعاة لأحوالهم وحاجاتهم… وينطلق حق ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع أول ما ينطلق من أسرهم التي ولدوا فيها، ونشأوا في ظلالها، وتربوا بين أفرادها، فإن الواجب على الأسرةِ قبل تكوينها من مؤسسيها الزوج والزوجة حسن الاختيار عند الرغبة في الزواج؛ لأن الوراثة من مسببات الإعاقة غالباً، فلا يكون من أسرةٍ عرفت بكثرة الإعاقة في أفرادها، فإن الطفل قد يرث الإعاقة من وراثاته القريبة أو البعيدة عن والديه، ومن حقوق الابن على والديه مراعاة الصلاح والاستقامة والسلامة من العيوب، ثم تأتي أهمية العناية بالمولود منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه، وتجنيبه أسباب الإعاقة، وحمايته منها بإذن الله تعالى. ويتمثل ذلك في أن الإسلام أباح للحامل أن تفطر حين تكون صائمة وتخاف على جنينها الضرر، وهذا ما يؤكد عناية الشريعة الإسلامية بالفرد قبل قدومه إلى هذه الحياة الدنيا… ومن هنا فإن على الأم أن تحافظ على جنينها، وتبعد كلّ خطر عنه، وتبتعد عن كل ما يؤثر في نموّه وتكوينه، فتعاطيها للتدخين والخمور والمخدرات من أكثر المخاطر التي قد تعرضه للإعاقة، كما أن تناولها لبعض الأدوية وهي حامل من دون استشارة الطبيب وذوي الاختصاص قد يسبب للجنين أضراراً ومؤثرات تؤدي إلى ولادته معاقًاً أو مشوهاً، فينبغي للوالدين وخاصة الأم الالتزام بتعاليم الدين، والحرص على حماية الجنين من أي مؤثر قد يكون سبباً في ولادة مولود غير سويّ، ومن هنا تأتي أهمية إجراء الفحص الطبي قبل الزواج.
وأضاف: إذا رُزق الوالدان الولد وكتب الله تعالى أن يكون معاقًاً فإن الإسلام حثّ الوالدين على العناية به، وتربيته تربية صالحة، والاهتمام بكافة شؤونه، ومن ذلك الحرص على تعليمه وبذل كل ما يحتاج اليه في سبيل ذلك، وعلى المجتمع أن يعنى بشؤونه، وييسر السبل ويذلل الصعاب للمعاقِ، كي يتعلم ويكون عضواً فاعلاً فيه.
ولقد ساوى الإسلام بين ذوي الاحتياجات الخاصة وبين سائر شرائح المجتمع في سائر الحقوق، ولم يميز بينهم وبين غيرهم من الناس الطبيعيين، إلا بحسب ما تقتضيه تقوى الله عز وجل، بل لقد جعل الشارع الحكيم لهذه الفئة العزيزة حقوقاً إضافية أخرى تميزهم عن غيرهم مراعاة لهم… كما نهى الإسلام المؤمنين عن السخرية والاستهزاء بأي فرد كائناً من كان، بسبب ما ألمّ به من نقص أو عاهة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
ولهذا يا عباد الله فإننا نقول بكل فخر واعتزاز ان الإسلام والمجتمع المسلم هو أول من اهتم بذوي الاحتياجات الخاصة، وقدم إليهم خدمات إيجابية حقيقية، ورفع عن كاهلهم الحرج والمشقة، فيما لا طاقة لهم به، وسعى إلى تغيير الصورة الذهنية القاتمة للمجتمع تجاههم، وساوى بينهم وبين الأشخاص الطبيعيين في الحقوق والواجبات، إلا ما دعت الحاجة إليه، وبيّن أن الإعاقة التي ألمّت بهم إنما هي ابتلاء من الله تبارك وتعالى، لا نستطيع لها دفعاً، ولا نملك أمامها إلا الصبر والتسليم بقضاء الله وقدره، فهو سبحانه العليم اللطيف الخبير، الرؤف الرحيم الحكيم، وهو أرأف بعباده من الوالدة بولدها.
ولقد قامت الشريعة الإسلامية على التيسير ورفع الحرج والمشقة عن الناس، ومن ذلك عنايتها بذوي الاحتياجات الخاصة من المرضى والمعاقين فأولتهم عناية خاصة، وخففت عنهم في الأحكام الشرعية.. إلى غير ذلك من التشريعات العظيمة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، فالشرع المطهر راعى المعاق عند تكليفه، ولم يحمّله ما لا يطيق، أو ما لا يتناسب وقدراته وطاقاته، مما يؤكد أنه وضعه في عين الاعتبار عند التشريعات، وهذا يجعل المعاق في موقف قوي له اعتباره، حيث رسم الإسلام له حقوقه الخاصة واعتبرها.

 

** صحيفة أخبار الخليج البحرينية